
في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالوفاء، ويعلو فيها صوت الإنسانية فوق صخب السياسة، أعاد الحنين خيوطه بين رجالٍ فرّقتهم السنوات وجمعتهم المواقف الصادقة.
بعد أن تصدّر ما بات يُعرف بـ"رباعي الوفاء"، أجرى الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد الطايع اتصالًا هاتفيًا بالسياسي المخضرم محمد فال ولد يوسف، عبر صهره حم ولد اخليل، في بادرة حملت من المعاني أكثر مما حملت من الكلمات.
وحسب مصادر مطلعة، فإن ولد الطايع هو من بادر بطلب هذا الاتصال، مدفوعًا بشعور عميق بالتقدير والامتنان، عبّر فيه عن وفائه لولد يوسف، مثمّنًا موقفه النبيل ومواكبته الصادقة خلال محنة رحيل السيدة الأولى السابقة، رحمها الله.
ولم يكن الاتصال مجرد تحية عابرة، بل امتد ليحمل دعوة صادقة لزيارة الدوحة، حيث يقيم، مؤكدًا اعتزازه بلقاء يجدد ما لم تنله السنون من روابط الود.
ومن جانبه، ردّ ولد يوسف بكلمات لا تقل نبلاً، معبرًا عن اعتزازه بما قامت به الدولة، بقيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، تجاه الفقيدة، في موقفٍ جمع بين الوفاء الرسمي والإنساني.
ويكتسب هذا الاتصال خصوصيته من كونه الأول من نوعه منذ الإطاحة بولد الطايع، وبعد الدور اللافت الذي لعبه ولد يوسف في قيادة "رباعي الوفاء"، إلى جانب العالية منت منكوس، وعزة منت همام، والدكتور نجاي كان، حيث وقفوا صفًا واحدًا في وداع الفقيدة، في مشهدٍ أعاد تعريف معنى الوفاء في زمنٍ قلّ فيه الثبات.
لقد كان حضورهم لافتًا، لا لأنهم حضروا فحسب، بل لأنهم حضروا حين غاب كثيرون. فقد استقبل ولد يوسف الجثمان في المطار، وسافر إلى أطار، ورافق كل تفاصيل الرحلة الأخيرة: من الصلاة إلى الدفن، إلى التعزية، بينما خلت المشاهد من وجوهٍ طالما ارتبطت باسم ولد الطايع في سنوات حكمه.
وكان الغياب، في حد ذاته، حضورًا صامتًا لمعنى الجحود، في مقابل حضورٍ ناطق بالوفاء من قلةٍ اختارت أن تكون في الموعد حين اختبر الزمن معادن الرجال.
ولا يتعلق الأمر هنا بالأقارب أو أهل المنطقة، فهؤلاء حضورهم بديهي تمليه روابط الدم والمكان، وإنما الحديث عن أولئك الذين صنعتهم الأيام تحت ظلال الرجل، ثم غابوا في لحظةٍ كان فيها الوفاء أبسط ما يُنتظر.
في المقابل، وقف ولد يوسف ورفاقه الثلاثة موقفًا يُستخلص منه جوهر الرجال، حيث يعلو الوفاء على الحسابات، ويُحفظ الجميل في زمن النسيان.
أما اتصالات ولد الطايع، فقد بدت وكأنها رسائل قادمة من زمنٍ آخر… زمنٍ كانت فيه العلاقات تُبنى على المواقف، لا المصالح.
بعد عقدين من الغياب والعزلة الطوعية، عاد صوته ليطرق أبواب الذاكرة، موصولًا بخيط الامتنان لمن وقفوا معه في لحظة الفقد.
لقد أعادت هذه الاتصالات إلى الأذهان صورًا من عهدٍ مضى، حين كان الرجل يجوب البلاد، ملوّحًا من سيارته البيضاء، بابتسامةٍ واثقة، وإيمانٍ عميق بوطنٍ حاول أن ينهض به، وشعبٍ سعى أن ينتشله من عتمة الجهل إلى نور الأمل.
كانت تلك الاتصالات، في جوهرها، أكثر من مجرد تواصل… كانت بريدًا من الزمن الجميل، يحمل بين طياته صدق المشاعر، ووفاء الذاكرة، وحنينًا لا يشيخ.



