
"أكثر النصوص القانونية وحشية في العصر الحديث".. هكذا وُصف قانون العبودية "كود نوار" أو "القانون الأسود"، الذي حوّل البشر إلى ملكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وصوّت مجلس النواب الفرنسي، أمس الخميس، على إلغائه.
وأجمع النواب الفرنسيون على إلغاء القانون وجميع مواده الـ60 التي كانت تنظم شؤون العبيد في جميع المستعمرات الفرنسية، والتي لم تُلغَ رسميا بعد عام 1848، إذ ظلّ القانون ساري المفعول، حتى بعد أن فقد أي سلطة له، حين ألغت فرنسا العبودية قبل 178 عاما.
وحوّل هذا القانون البشر إلى سلع، مما سمح باستغلالهم في العمل، وضربهم، وبيعهم، واغتصابهم، وقتلهم، وقد أثار إدراك أن فرنسا لم تلغِ هذا القانون رسميا استياء واسعا في الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة الأولى في البرلمان)، حيث احتدم النقاش.
ما قانون العبودية الأسود؟
قانون وقّعه الملك لويس الرابع عشر في قصر فرساي عام 1685، ليضع قواعد العبودية في جميع أنحاء الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية.
وتُعرّف نصوص القانون المستعبدين تعريفا دقيقا بأنهم "ممتلكات منقولة"، يمكن للسيد الحصول عليها بنفس طريقة الحصول على السلع الأخرى، كما تحدد عقوبات للهروب، كقطع الأذن، والوسم بزهرة الزنبق، والإعدام.
ويُعد مهندس "القانون الأسود" الرئيسي هو رجل الدولة الفرنسي جان بابتيست كولبير، الذي يقع تمثاله في ساحة البرلمان بالعاصمة باريس.
ما واقع مستعمرات العبودية الآن؟
كانت مواد قانون العبودية تحكم في البداية منطقة البحر الكاريبي الفرنسية، مارتينيك وغوادلوب وسانت دومينغو (هايتي اليوم)، وجرى توسيعها لاحقا لتشمل غويانا الفرنسية ولويزيانا وجزر المحيط الهندي ريونيون وموريشيوس.
وأعلن المؤتمر الوطني (الجمعية التأسيسية المنتخبة خلال الثورة الفرنسية) إلغاء العبودية في 4 فبراير/شباط 1794، بعد نحو 4 سنوات من اعتماد إعلان حقوق الإنسان والمواطن، إلا أن هذا الإجراء لم يُطبّق عمليا على جميع المستعمرات.
إعلان
لم تتخلَّ فرنسا عن جميع مستعمراتها التي كانت تُمارس فيها العبودية، فقد أصبحت أقدم 4 مستعمرات هي غوادلوب، ومارتينيك، وغويانا الفرنسية، وريونيون، ومقاطعات فرنسية ما وراء البحار كاملةً عام 1946، وهذا يعني أنها تُدار من باريس كأي مقاطعة أخرى.
ويبلغ عدد سكان هذه المستعمرات نحو 1.9 مليون نسمة، معظمهم من نسل المستعبدين، وهم مواطنون فرنسيون، وعلى الرغم من كونها جزءا لا يتجزأ من فرنسا، لا تزال المقاطعات ما وراء البحار من بين أفقر أراضيها، إذ يبلغ معدل البطالة فيها ضعف معدله في البر الرئيسي تقريبا، ويعيش أكثر من ثلاثة أرباع الأسر في جزيرة مايوت تحت خط الفقر الوطني.
ظروف عمل مميتة.. ماذا بشأن الضحايا؟
بموجب القانون، نقلت فرنسا قرابة 1.4 مليون أفريقي عبر المحيط الأطلسي مكبلين بالسلاسل، والتي عُدّت ثالث أكبر تجارة رقيق لأي قوة أوروبية، بعد البرتغال وبريطانيا.
وجرى توظيف معظم الأفارقة المستعبدين في قطع قصب السكر، قبل تكثيف عصارته في "بيوت الغلي"، حيث كان يُغلى على نار مكشوفة، إلى جانب البن والقطن ونبتة النيلة.
وكان العمل مميتا لدرجة أن عدد الوفيات تجاوز عدد المواليد، في حين جرى استبدال المزارعين الضحايا بسفن محملة بأفارقة جدد.
وبحلول عام 1789، كانت سانت دومينغو، والتي تُعرف الآن باسم هايتي، تضم نحو 500 ألف شخص مستعبد، وهو عدد يفوق أي مستعمرة أخرى في منطقة البحر الكاريبي، وقد أنتجت جزءا كبيرا من سكر العالم وبنه، واشتُهرت بأنها أغنى مستعمرة على وجه الأرض.
أفارقة يُقتادون للصعود على متن سفينة متجهة إلى الولايات المتحدة في رسم يعود إلى عام 1881 (غيتي)
بنود مثيرة في القانون
- فرض دين قسري
ونصت المادتان 2 و3 من القانون على تعميد جميع المستعبدين وتربيتهم على المذهب الكاثوليكي، في حين منع ممارسة أي دين آخر علنا.
- المستعبدون وما يكسبونه ملك لسيدهم
ووصفت المادة 44 من قانون "كود نوار" المستعبدين بأنهم "ممتلكات منقولة"، إذ يمكن للسيد أن يشتريها أو يبيعها أو يرهنها أو يتركها لأبنائه، مثل الأرض أو الأثاث.
في حين تنص المادة 28 على أنه لا يجوز للمستعبدين "امتلاك أي شيء لا ينتمي إلى سيدهم"، وكل ما كسبوه، وكل ما أُعطي لهم، كان ملكا له.
ولم يكن للمستعبدين اسم قانوني، وفي عام 1839، مُنح كل مستعبد في المستعمرات رقما ورمز تسجيل، بينما لم يُمنح المحررون منهم ألقابا عائلية إلا عند إلغاء العبودية.
تمثال في باريس يُخلّد ذكرى إلغاء العبودية (أسوشيتد برس)
- كيف يُعاقب المستعبدون الذين يحاولون الهروب؟
وعاقبت المادة 38 من القانون الأسود الأشخاص الذين حاولوا الفرار على نحو لا إنساني، ففي المحاولة الأولى للهرب، يجري قطع آذانهم وكيّ أحد أكتافهم ووسمه بزهرة الزنبق "رمز التاج الفرنسي".
أما في محاولة الهروب الثانية، فيُقطع وتر الساق، وتعاد عملية الكيّ والوسم مرة أخرى.
وإذا كرر المستعبدون الفرار للمرة الثالثة، كان يجري إعدامهم، بموجب القانون آنف الذكر.
- الإعدام لمن يضرب سيّده
أما المادة 33، فنصّت على عقوبة الإعدام لأي مستعبد يُقدم على ضرب سيده أو زوجته أو أطفالهما، على نحو يترك أثرا أو دماء، أو يضربهم في الوجه.
إعلان
- توريث العبودية بالولادة
وبمقتضى القانون، استُعبد الأطفال منذ ولادتهم، فإذا وُلد الطفل من امرأة مستعبدة، يصبح مستعبدا تلقائيا منذ ولادته، حتى لو كان الأب حرا.
أما حصة هذا الطفل المُستعبد من الغذاء، فكانت نصف حصة المستعبدين البالغين.
- تجاهل نصوص حماية المستعبدين
وكان يُفترض ببعض النصوص، أن تحمي المستعبدين، إذ نصت على أن يقوم السادة بإطعامهم وكسوتهم، لا بتعذيبهم، ولا ببيع الزوج والزوجة والأطفال الصغار بشكل منفصل.
غير أن مؤرخين أكدوا أن هذه النصوص جرى تجاهلها على نطاق واسع، ونادرا ما كان يُعاقب السادة على قتلهم المستعبدين.
نواب في البرلمان الفرنسي يصوّتون لصالح إلغاء قانون "كود نوار" أمس الخميس (الفرنسية)
حفيد مستعبدين.. من الذي بدأ الحراك لإلغاء القانون؟
قبل أن يكتشف الحقيقة، لم يكن النائب الفرنسي الذي قدّم اقتراح إلغاء القانون يعلم أنه لا يزال ساريا، وكان ماكس ماتياسين، من غوادلوب، قد اشترى نسخا من نص القانون على مر السنين وتركها على الرف.
ويقول صاحب الاقتراح: "بصفتي حفيدا لأجداد كانوا مُستعبدين، لم أتمكّن قط من قراءته كاملا. لقد صُنع هذا القانون من قِبل بشر، ضد بشر".
وبالنسبة له، يُمثّل التصويت "وسيلة لاستعادة أسلافنا، واستعادة إنسانيتنا" أمام فرنسا التي شعارها الحرية والمساواة والإخاء، "إنه يعني الوفاء بالوعد الجمهوري، معتبرا أن هذا الوعد لا يزال غائبا في الوطن".
وقال ماتياسين: "في غوادلوب، يشغل البيض أهم المناصب في مؤسسات الدولة، معتبرا ذلك استثناء استعماريا لم ينتهِ قط. يرأس مؤسسة ذاكرة العبودية رئيس الوزراء الأسبق جان مارك أيرو، ويشغل منصب نائب المدير بيير إيف بوكيه، وكلاهما رجلان أبيضان".
يصف بوكيه "القانون الأسود" بأنه مهد "الاستثناء الاستعماري" في فرنسا، وهو المبدأ الذي يسمح بتعليق الحقوق التأسيسية للجمهورية الفرنسية لمن يخضعون لحكمها".
ويقول إن هذا المبدأ استمر بعد زوال الإمبراطورية: "حتى اليوم، نقبل أن يتمتع سكان الأقاليم ما وراء البحار بحقوق أقل من سكان فرنسا الأم".
ما أبرز بنود مشروع القانون المقترح؟
على الجانب الآخر، تسعى المادة الأولى من القانون المقترح من قبل ماكس ماتياسين إلى إلغاء "القانون الأسود"، وجميع أحكامه، بمختلف أشكالها أو إصداراتها أو طبعاتها.
في حين تطالب المادة الثانية الحكومة بتقديم تقرير عن القانون الاستعماري وآثاره طويلة المدى، لا سيما فيما يتعلق بالعنصرية.
وقد دارت معظم النقاشات في البرلمان الفرنسي حول تاريخ فرنسا في العبودية والاستعمار، وآثار ذلك التي لا تزال ماثلة للعيان اليوم، بين الأقاليم ما وراء البحار وفرنسا الأم، والتمييز الذي يواجهه السود.
إلا أن المشروع يتجاهل قضية التعويضات الحساسة، التي تُطالب بها الأقاليم ما وراء البحار بشكل منتظم، وخلال المراجعة أشار عدد من أعضاء البرلمان إلى أنه وفي أعقاب إلغاء العبودية، دفعت فرنسا تعويضات لأصحاب العبيد السابقين، وليس للمستعبدين الذين أصبحوا بلا أرض.
وكالات

