
نوافذ(بتلميت) ــ في رحاب مدينة أبي تلميت، وعلى بعد أربعة كيلومترات إلى الشمال الشرقي منها، تمتد مقبرة البعلاتية شاهدةً على تاريخ مدينة صنعت المجد بالعلم والصلاح، واحتضنت بين جنباتها رجالاً ونساءً نقشوا أسماءهم في سجل الفضائل قبل أن يضمهم الثرى، فليست البعلاتية مجرد مقبرة مترامية الأطراف، بل هي ذاكرة أمة مصغّرة، وسِفرٌ مفتوحٌ يروي للأجيال سِيَرَ العلماء والصلحاء والقادة والأفذاذ الذين رحلوا بأجسادهم وبقيت آثارهم حيّةً في النفوس.
ومنذ أن تأسست مدينة أبي تلميت سنة 1827م، وتحولت إلى منارة للعلم والدين والاستقامة، أخذت المدينة تنمو وتزدهر، حتى غدت قبلةً لطلاب المعرفة، وملجأً للمستضعفين، ومحطَّ رحال الباحثين عن الأمن والسكينة. ومع اتساع عمرانها وكثرة ساكنيها، أجمع أهل الرأي فيها على أن تكون البعلاتية المدفن الرسمي لأهل المدينة، فبدأت تستقبل أفواج الراحلين من أهل الفضل والخير.
وتذكر الروايات أن من أوائل من ووروا الثرى فيها داداه والطالب ابنا المختار بن الهيبه، والسيدة الفاضلة عزة بنت آبّوَ، قبل أن تصبح البعلاتية الوجهة الأخيرة لأهل أبي تلميت ومن تعلق قلبه بجوارها.
ومن أبرز من احتضنتهم البعلاتية القاضي العلامة سيد المختار بن أحمد محمود "مُتّال"، الذي أمضى خمسين عاماً في الإفتاء والقضاء، ناشراً للعدل والعلم بين الناس، حتى وافاه الأجل سنة 1917م، فكان رحيله خاتمة رحلة علمية زاخرة بالعطاء.
كما ضمّ ثراها السيدة الجليلة فاطمة امباركة (الناهه) بنت المختار بن عبد الفتاح، أم أبناء الشيخ سيدي باب، سنة 1922م. وقد خلدت الذاكرة الشعبية لحظة دفنها بما رُوي من سماع تلاوة قوله تعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}، وكأنها شهادة وداع لامرأة عُرفت بالإحسان والفضل والزهد.
وفي سنة 1924م، استقبلت البعلاتية جسد الشيخ سيدي باب، مجدد السنة وصاحب المشروع الإصلاحي الكبير الذي تجاوز أثره حدود المدينة إلى آفاق أوسع، فكان رحيله فاجعة لأتباعه ومحبيه، بينما بقيت سيرته منارة تهدي السالكين.
وفي 15 أكتوبر 2003 استقبلت البعلاتية مؤسس الدولة الموريتانية الحديثة الرئيس المختار ولد داداه، كما تضم المقبرة مخلد إرثه فنيا همام ولد محمد المختار، والفنانة محجوبة بنت الميداح...
واليوم، تقف البعلاتية شامخةً في صمتها المهيب، تروي للزائرين قصة مدينة صنعت تاريخها بالعلم والإصلاح، ثم أودعت أعلامها في هذا الثرى المبارك. وما زالت الجنائز تُحمل إليها من أماكن بعيدة، تنفيذاً لوصايا أصحابها أو رغبةً في مجاورة أولئك الصالحين الذين سبقوا إلى الدار الآخرة.
غير أن هذا الإرث التاريخي والروحي يستدعي مزيداً من العناية والحفاظ، في ظل ما يُلاحظ من انتشار التسييج داخل المقبرة، والبناء على بعض القبور، وطمس معالم بعضها بفعل الأعشاب والزواحف. وهي أمور يأمل سكان المدينة أن تجد من المسؤولين ما تستحقه من اهتمام، صوناً لحرمة الموتى وحفظاً لذاكرة الأجيال.
وتبقى البعلاتية، رغم تعاقب السنين، مدرسةً صامتةً تُذكّر الأحياء بحقيقة المصير، وتردد على مسامع الزائرين موعظة الدهر الخالدة: أن المجد الحقيقي ليس فيما يجمعه الإنسان من متاع، وإنما فيما يتركه من أثر صالح وعمل نافع.
من كان حين تصيب الشمس جبهته
أو الغبار يخاف الشمس والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته
فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا
في قعر مقفرةٍ غبراء مظلمةٍ
يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا.
#نوافذ

