يربه ولد المان ...من ضفاف النضال الطلابي إلى آفاق الاقتصاد البحري...

أربعاء, 14/10/2026 - 16:19

عاد اسم السياسي والإداري الشاب يرب ولد المان إلى واجهة المشهد العام، مع تداول أنباء عن تعيينه مديرًا عامًا للشركة الموريتانية لتسويق الأسماك (SMCP)، في خطوة، إن تأكدت رسميًا، ستشكل فصلًا جديدًا في مسار مهني وسياسي تعددت محطاته، وتنوعت مسؤولياته، من رحاب الجامعة وميادين النضال الطلابي، إلى قبة البرلمان، ثم دهاليز الإدارة العمومية ومؤسسات الدولة.
ويأتي الحديث عن هذا التعيين المحتمل في أعقاب تجربة إدارية خاضها ولد المان داخل الشركة الوطنية للتنمية الريفية «صونادير»، التي تولى فيها منصب المدير العام المساعد منذ يناير 2023، بعد مسيرة تنقل خلالها بين مواقع حكومية وسياسية، مكتسبًا خبرات متباينة في مجالات الإدارة والتسيير والعمل المؤسسي.
إنه مسار امتد لأكثر من عقد ونصف، لم يكن مجرد انتقال بين المناصب، بل رحلة من التدرج في المسؤولية، بدأت بصوت طلابي يحمل مطالب جيله، مرورًا بتجربة نيابية مبكرة، وصولًا إلى العمل الحكومي وتسيير المؤسسات العمومية؛ وهي محطات رسمت ملامح تجربة تجمع بين التكوين الأكاديمي والممارسة السياسية والخبرة الإدارية.

النشأة والتكوين.. البدايات التي ترسم الملامح

في الثالث من مارس عام 1987، أبصرت باسكنو، الواقعة في ولاية الحوض الشرقي، ميلاد يرب ولد المان، الذي شق طريقه الدراسي في بيئته الأولى، قبل أن يتجه تدريجيًا نحو التخصص في العلوم الاقتصادية والمالية، حيث تلتقي لغة الأرقام بآليات التسيير، وتتقاطع المعرفة النظرية مع مقتضيات الإدارة العملية.

بدأ مساره التعليمي بالحصول على شهادة ختم الدروس الابتدائية عام 2000، ثم شهادة ختم الدروس الإعدادية عام 2003، قبل أن ينال شهادة البكالوريا في العلوم الطبيعية سنة 2006.

ولم يقف به الطموح عند حدود التعليم الثانوي، بل واصل رحلته الجامعية في المجال الاقتصادي، فنال شهادة الدراسات العامة في الاقتصاد عام 2009، ثم شهادة المتريز في التسيير المالي سنة 2011، قبل أن يتوج مساره الأكاديمي بشهادة الماستر في المالية العامة، تخصص التدقيق، عام 2014.

وقد وفر له هذا التكوين قاعدة معرفية في الشؤون المالية والاقتصادية، شكلت خلفية مناسبة لما سيضطلع به لاحقًا من مهام في المؤسسات الحكومية والهيئات العمومية، حيث تتطلب المسؤولية الإدارية فهمًا للموارد، وإحاطة بآليات التسيير، وقدرة على التعامل مع الملفات الاقتصادية والتنظيمية.

من الجامعة إلى البرلمان.. تجربة نيابية في سن مبكرة
كان عام 2012 محطة جديدة في مسار ولد المان، إذ التحق بديوان رئيس الجمهورية بصفة ملحق، قبل أن ينتقل إلى تجربة العمل البرلماني التي منحته حضورًا أكثر وضوحًا في مؤسسات الدولة.
وفي نوفمبر 2013، انتُخب نائبًا في الجمعية الوطنية عن مقاطعة انبيكت لحواش بولاية الحوض الشرقي، وهو في السادسة والعشرين من عمره، ليكون من بين أصغر النواب سنًا في البرلمان الموريتاني خلال تلك الفترة.
مثّل ذلك الانتقال تحولًا في طبيعة المسؤولية؛ فمن موقع الدفاع عن المطالب الطلابية، انتقل إلى فضاء التشريع والرقابة، حيث تتسع دائرة الاهتمام من قضايا فئة بعينها إلى الشؤون العامة، بما تتضمنه من رهانات اقتصادية واجتماعية وإدارية.
وخلال تجربته النيابية، تولى ولد المان عددًا من المسؤوليات داخل اللجان البرلمانية، من بينها رئاسة لجنة برلمانية للإخاء سنة 2014، والمشاركة في أعمال لجنة الموارد البشرية، فضلًا عن رئاسة لجنة الشؤون الاقتصادية بالجمعية الوطنية، وفقًا لسيرته المهنية.

وقد أتاح له العمل داخل المؤسسة التشريعية الاقتراب من آليات الرقابة البرلمانية، ومتابعة الملفات ذات الصلة بالاقتصاد والإدارة، والتعرف على طبيعة العلاقة بين المؤسسات، قبل أن تقوده محطات مساره اللاحقة إلى مواقع أخرى داخل الجهاز التنفيذي.
وهكذا، شكل البرلمان حلقة وصل بين تجربته الأولى في العمل التنظيمي ومسيرته اللاحقة في الإدارة الحكومية؛ إذ أضاف إلى خبرته في التمثيل والتواصل احتكاكًا مباشرًا بمسائل التشريع والرقابة ومتابعة الشأن العام.
من قبة البرلمان إلى مؤسسات الدولة.. اتساع دائرة المسؤولية
مع انتهاء تجربته البرلمانية، اتجه ولد المان إلى العمل الحكومي، حيث توزعت مسؤولياته بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، في انتقال من فضاء التشريع والرقابة إلى ميادين التنفيذ والتسيير.
فخلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2020، شغل منصب مستشار فني مكلف بالسياحة لدى وزارة التجارة والسياحة، قبل أن يلتحق بديوان الوزير الأول، حيث تولى مهمة خلال الفترة من 2020 إلى 2022.

وفي يناير 2023، عُيّن مديرًا عامًا مساعدًا للشركة الوطنية للتنمية الريفية «صونادير»، وهي مؤسسة عمومية تضطلع بأدوار مرتبطة بالتنمية الزراعية والاستصلاحات الريفية.
ومع هذا التعيين، انتقل إلى مستوى أكثر مباشرة من المسؤولية الإدارية، داخل مؤسسة ترتبط أنشطتها بمشروعات التنمية، وتتشابك مهامها مع رهانات الإنتاج الزراعي وتطوير الأراضي المستصلحة ومواكبة البرامج الريفية.
وخلال فترة عمله في «صونادير»، شارك في أنشطة واجتماعات تناولت المشاريع الزراعية والاستصلاحات الهيدرو-زراعية، والتعاون مع الشركاء الفنيين، ومتابعة البرامج المرتبطة بالتنمية الريفية.

وتندرج هذه الملفات ضمن الجهود الرامية إلى تطوير الإنتاج الزراعي وتوسيع نطاق الاستصلاحات، في إطار المهام المنوطة بالشركة ودورها في مواكبة البرامج التنموية.
وبذلك، أضافت تجربة «صونادير» إلى مساره محطة في التسيير المباشر لمؤسسة عمومية ذات طابع تنموي، مكملةً ما راكمه من خبرة في العمل البرلماني والوظائف الحكومية.
في رحاب العمل الحزبي.. حضور يتجاوز حدود الوظيفة الإدارية
لم ينحصر حضور ولد المان في الوظائف الحكومية والإدارية، بل ظل العمل السياسي والتنظيمي جزءًا من مساره العام، من خلال توليه مسؤوليات متعددة داخل حزب الإنصاف الحاكم.
فقد شملت هذه المسؤوليات عضوية اللجنة الدائمة للحزب، والتنسيق الجهوي على مستوى ولاية نواذيبو، إلى جانب توليه الأمانة الدائمة المكلفة بالاتصال والتكوين.
وتعكس هذه المهام تعدد مجالات حضوره التنظيمي، بين التأطير الحزبي، وتنسيق النشاط السياسي على المستوى الجهوي، والاضطلاع بملفات الاتصال والتكوين؛ وهي مجالات تتطلب مهارات في التواصل وإدارة العلاقات وفهم طبيعة العمل المؤسسي.
كما تلتقي هذه التجربة مع جوانب من مساره السابق في قيادة العمل الطلابي والمشاركة في الحياة البرلمانية، حيث ظل التنظيم والتواصل والتعامل مع مختلف الفاعلين عناصر مشتركة بين محطاته المهنية والسياسية.

ومن خلال هذا التداخل بين العمل الحزبي والمسؤوليات الإدارية، تشكل مسار يجمع بين الانخراط في النشاط السياسي والممارسة داخل مؤسسات الدولة، في تجربة تتعدد فيها مواقع المسؤولية وتختلف فيها طبيعة المهام.
الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك.. محطة محتملة على ضفاف الاقتصاد البحري
اليوم، يعود اسم يرب ولد المان إلى دائرة الاهتمام مع تداول أنباء عن تعيينه مديرًا عامًا للشركة الموريتانية لتسويق الأسماك (SMCP)، في انتقال محتمل من مؤسسة تنشط في مجال التنمية الريفية والزراعة إلى مؤسسة تقع في قلب قطاع الصيد والتسويق والتجارة الخارجية.
وتحتل الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك موقعًا مهمًا ضمن المنظومة الاقتصادية المرتبطة بالمنتجات البحرية، من خلال دورها في تسويق الأسماك الموريتانية وتصديرها إلى الأسواق الخارجية. وهو قطاع تتقاطع فيه الثروة الطبيعية مع متطلبات الجودة والتنافسية، وتلتقي فيه اعتبارات الإنتاج بمقتضيات التجارة الدولية.
وإذا تأكد التعيين رسميًا، فسيكون ولد المان أمام تجربة تختلف في طبيعتها عن مسؤولياته السابقة في «صونادير»؛ إذ ستتصل مهامه المحتملة بملفات التسويق الخارجي، والعلاقات مع المصدرين والشركاء التجاريين، ومتابعة أداء المؤسسة، والعمل على تطوير خدماتها في بيئة اقتصادية تتأثر بحركة الأسواق وتغير متطلباتها.

وستضع هذه المحطة، إن تحققت، تكوينه في المالية العامة والتسيير المالي، إلى جانب خبرته في الإدارة والعمل الحكومي، أمام تحديات قطاع يرتبط بإحدى أبرز الثروات الطبيعية للبلاد، وتتعاظم فيه أهمية حسن التسيير والنجاعة الاقتصادية والقدرة على مواكبة الأسواق الدولية.

كما سيمثل الانتقال المحتمل إضافة نوعية إلى تنوع تجربته المهنية، من خلال الانتقال بين مجالين اقتصاديين مختلفين في طبيعة نشاطهما وشركائهما ومتطلبات تسييرهما، وإن كانا يلتقيان في كونهما جزءًا من رهانات التنمية الاقتصادية الوطنية.

مسار تتعدد محطاته وتظل المسؤولية عنوانه الأبرز

بين باسكنو، حيث كانت البدايات الأولى، ومدارج الجامعة التي شهدت خطواته في العمل النقابي، وقبة البرلمان التي دخلها في سن مبكرة، ومكاتب الإدارة الحكومية والمؤسسات العمومية التي تولى فيها مسؤوليات متعاقبة، تتشكل سيرة يرب ولد المان بوصفها مسارًا متعدد المحطات، تتداخل فيه السياسة بالإدارة، ويتقاطع فيه التكوين الأكاديمي مع الممارسة العملية.

فمن قيادة العمل الطلابي إلى التمثيل النيابي، ومن الوظائف الحكومية إلى التسيير داخل «صونادير»، ظل مساره مرتبطًا بالعمل العام، وإن اختلفت المواقع وتباينت طبيعة المسؤوليات.
أما الأنباء المتداولة بشأن توليه إدارة الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك، فتفتح الباب أمام فصل جديد محتمل في هذه المسيرة؛ فصلٍ ينتقل فيه من ملفات التنمية الريفية إلى رهانات الاقتصاد البحري، ومن متابعة المشاريع الزراعية والاستصلاحات إلى آفاق التسويق والتصدير.
وبينما يظل تأكيد التعيين رسميًا هو الفيصل في حسم هذه المحطة، فإن المسار الذي قطعه ولد المان حتى الآن يقدم صورة لمسؤول تنقل بين مواقع متعددة في الحياة السياسية والإدارية، فيما تبقى المحطة المقبلة، إن تأكدت، اختبارًا جديدًا لما راكمه من خبرة، وفرصة لإضافة تجربة أخرى إلى سجل مهني لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة.