
مبدئيا، الذين شملتهم المغادرة أقل من ثلث أعضاء الفريق الحكومي؛ وهذه أولى الملاحظات التي تفرض نفسها عند النظر في المؤمل من حصيلة نهائية للتعديل، باعتبار التناسب الطردي افتراضا بين حجم التغيير ومدى العمق الذي حمله.
خارج المُحدٍدِ العددي، مؤكد أن تلعب طبيعة المعايير التي حكمت أساس المغادرة والبقاء دورا حاسما في القدرة على خلق الفارق من خلال هذا التعديل؛ إذ العبرة لا تكمن فى عدد المغادرين، بل بقدرة التركيبة الجديدة على إحداث فارق ملموس في الأداء، وتصحيح الاختلالات، وتحسين إدارة الملفات التي تفرض نفسها على الحكومة.
تعيين الوزراء وإنهاء مهامهم صلاحية لرئيس الجمهورية، وفى الغالب الأعم يجهل من مبررات التعيين عندنا أكثر من ما يعلم. أما إنهاء المهام فالمفترض فيه أن تتوافر معطيات موضوعية تتيح تقويم القرار به؛ فيعزى عادة لما يتراوح بين العجز إلى التقصير إلى الإخفاق، أو حتى ارتكاب ما يستوجب المساءلة ...
من واقع تزامن التعديل وتقرير لجنة التحقيق المستقلة المكلفة بملف حريقي محطتي التحويل الكهربائي التابعتين للشركة الوطنية للكهرباء (صوملك)، وحده وزير الطاقة لارتباط قطاعه مباشرة بموضوع الأزمة، متفهم إنهاء مهامه على الخلفيات التي كشف عنها التقرير.
لا يعني ذلك أن بقية الوزراء كانوا بمنأى عن المسؤولية، أو أن أداءهم لم يكن يستدعى التقويم والمراجعة، بقدرما يعنى أن التعديل غير محكوم بمعيار موضوعي مثلما هو حال حريق مولدات الشركة الوطنية للكهرباء.
تعقيد آخر، من قبيل أن بعض المغادرين، وليس كلهم، لا يُنسب إليهم في الخطاب العام المتداول، إخفاق محدد يفسر خروجهم، بل إنه مع شروع السلطات في إعادة استيعاب المغادرين، من خلال إعادة تعيين بعضهم في مواقع لا تقل أهمية عن الحقائب الوزارية التي غادروها، ينصرم وثاق الربط بين المغادرة وضعف الأداء، واستطرادا، بين البقاء وحسنه!
وزراء واجهت القطاعات التي يشرفون عليها مشكلات ظلوا في مواقعهم أو عادوا إليها، في حين غادر آخرون من دون أن تبدو صلتهم بالأزمة واضحة، وهذا يعيدنا إلى جوهر المسألة: إذا لم تكن المحاسبة هي المعيار المعلن للتعديل، فما الذي يفسر توزيع الأدوار بهذه الصورة؟
من واقع الحال، يحكم معادلة البقاء والمغادرة مزيج يجمع بين الأداء، الحاجة إلى تدوير المسؤوليات، تجديد الفريق ومراعاة التوازنات السياسية والاجتماعية، وهي اعتبارات يسمح تشعبها بتحقيق حد أدنى منها، على الأقل، لكن ذلك التشعب بالمقابل يزيد احتمالات فشل تحقيق التعديل لقفزة نوعية في العمل الحكومي تلبي طموحات رئيس الجمهورية، وقد أذنت مأمورية الطموحات بالانصرام.
فوق موضوع الدخول والخروج من التشكيلة الجديدة، تبدو ظاهرة التبادل الوزاري عصية على الفهم في ضوء محدودية المرحلة الزمنية المتبقية من المأمورية الرئاسية؛ انتقال وزير لقطاع جديد يُحوِجُه إلى وقت لفهم الملفات واستيعاب تفاصيلها، ما سيؤثر فى وتيرة تنفيذ المشاريع، بما يتعارض مع المقصد المفترض للتعديل.
ومن هنا، فإن السؤال عن جدوى التعديل لا يتعلق فقط بكونه شمل أقل من ثلث أعضاء الحكومة، وإنما يتجاوز ذلك إلى مدى قدرته على معالجة الأسباب التي جعلت التغيير ضروريًا في المقام الأول.
تعديل حكومي رغم بقاء الوزير الأول
لا يمكن قراءة التعديل الحكومي بمعزل عن طبيعة بعض الأسماء التي غادرت الحكومة، ولا عن الرتب الوظيفية والسياسية والاجتماعية التي يمثلها أصحابها؛ فالمغادرة، في هذه الحالات، ليست مجرد انتقال من منصب إلى آخر، بل هي تنتج تبعات تتصل بموازين التأثير داخل الدولة وفيها، وبطبيعة العلاقة مع رئيس الجمهورية، وبالترتيبات السياسية المحتملة للمرحلة المقبلة.
خارج كل توقع، طغى خبر خروج الوزير الأمين العام للرئاسة ووزير الداخلية ونظيرهما في الدفاع على دهشة إعادة تكليف الوزير الأول المستقيل، بل إن ذلك الخبر صار هو الحدث لا التعديل الوزاري نفسه.
في مواجهة مفاجأة مغادرة وزراء فوق العادة بحكم المتصور لهم من علاقة مع رئيس الجمهورية واعتبارهم أركان نظامه قدمت تفسيرات شتى:
عدم تنجيم مغادرة الثلاثة، حمل البعض إلى القول بوجود تشاور مع المعنيين بشأن توقيتها وطبيعتها. وقدروا أنها تأتي ضمن تفاهمات أوسع لتمكين المغادرين من التفرغ لهندسة الترتيبات المناسبة لاستحقاقات 2029 وما بعدها.
الطبيعي أن التخلص على مراحل من وزراء بذلك الوزن والأهمية، أقل مخاطرة من التغيير المفاجئ في الأوزان؛ فغيابهم الثلاثة دفعة واحدة يحدث فراغا سيُحتاج لوقت وجهد حتى يسد. واحتمال التنسيق بينهم وارد بفعل الاشتراك في قرار تخلي السلطة عنهم، وبفعل الرغبة في إثبات الجدارة والقدرة على التأثير في القادم من أحداث. وكلها اعتبارات لم تكن لتغيب عن ذهن صاحب قرار الإعفاء الجماعي.
بينما رأى آخرون أن الخطوة تحقق رغبة لدى رئيس الجمهورية في الظهور بمظهر المتفرد بالقرار والسلطة، حاليا ومستقبلا فى ما سيقرره بشأن استمراره في الحكم أو خياره في الاستخلاف.
يحتمل أن تَوَلُد تلك الرغبة لدى رئيس الجمهورية، إنما جاء لاحقا على الحسم بشأن موقفهم من ما يصار إليه من خيار فتح المأموريات. لكن، قطعيا أن وجودها يعنى حسم رئيس الجمهورية بسقوط أولئك الوزراء من خياراته في الاستخلاف، وفى الحالتين القطيعة هي العنوان، ما يبرر مراجعة الرأي بشأن تحديد السبب الحاسم في حصول التعديل؛ فأوزان أولئك الوزراء، وطبيعة علاقتهم برئيس الجمهورية وحظوتهم فى النفوذ والحضور تدعم أن يكون خروجهم سببا للتعديل الحكومي، لا مجرد علاقة تزامن وصدفة ترتبت عليها لاحقا الحاجة لإعادة تشكيل الفريق. بل أكثر من ذلك أنه بمراعاة تلك المكانة عمد إلى خيار التعديل الحكومي لا مجرد تعديل وزاري.
قراءة خروج هذه الشخصيات تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، لا يمكن ترجيح أحدها بصورة نهائية من دون معطيات إضافية تكشف طبيعة القرار، والظروف التي أحاطت به، وما إذا كان يعكس تحولًا في موازين التأثير أم مجرد إعادة ترتيب للمواقع والمسؤوليات.
محمد أحمد ولد محمد الأمين: استراحة محارب...أم استغناء عن الخدمة
بما له من حضور سياسي واجتماعي، وما نسجه من علاقات بأغلب الشخصيات المؤثرة في المشهد، والأهم من كل ذلك صلته متعددة الأبعاد بالسيد محمد ولد الغزواني رئيس الجمهورية. لا يقتنع الجميع بسيناريو الخروج عن طريق السقوط الحر: تلك لعنة لم يعلم لها سبب، رغم حاجتها لسبب لا كأي سبب.
أصحاب تلك القناعة يغفلون (لعنة العصر):" معرفة الإخوان شبهة، أما العلاقة بالتنظيم فتهمة يقترن توجيهها حتما بالإدانة. إنهم كذلك يسقطون من أدواتهم في التحليل أحداث تاريخية " نكبة البرامكة " فرقت أصحاب السلطة وأهم داعميهم. ومعاصرة؛ لم يحتج وشاتها ومحرشوها لأكثر من شهرين لإقناع الرئيس محمد ولد الغزواني أن محمد ولد عبد العزيز يشكل مصدر التهديد الوحيد لرئاسة رفيقه ومرشحه لرئاسيات 2019.
آخرون من نفس القناعة قدروا أن إخراجه من الحكومة جاء للتعمية على مغادرة ولد حننا ومولاي ولد محمد الأغظف، أو للتخفيف من الأثر السياسي والمعنوي الذي قد يترتب على رحيلهما.
لكن، تم تداول حديث بنقيض ذلك، خرج الوزيران للتعمية على خروجه هو؛ فقرار إخراج ولد لحويرثي اتخذ بعد أن قدر الرئيس أنه يرفض أن يتحرك لصالح المأمورية الثالثة (استمرار الرئيس)، ويستعيض عن ذلك بتوجيه خلصه من الولاة إلى الحديث عن "استمرار النهج "المتأتي بواسطة(الاستخلاف)
القول الآخر بأن خروجه جاء تمهيدًا لترتيبات متعلقة باستحقاقات 2029 يظل استنتاجًا يحتاج إلى أدلة مستقلة، فمجرد خروج شخصية ذات امتداد اجتماعي أو خبرة سياسية لا يكفي لإثبات أن القرار مرتبط بالاستحقاقات المقبلة، ولا سيما أن التوقيت نفسه قد يثير تساؤلات بشأن جدوى إبعاد شخصية يراد لها، وفق هذه الفرضية، أن تؤدي دورًا في تلك المرحلة.
بل يمكن الاعتراض على هذه القراءة بالقول إن المغادرة المبكرة، مع طول الفترة الفاصلة بينها وبين استحقاقات 2029، قد يحدّان من قدرة الرجل على التأثير في ترتيبات المستقبل، ما دام خارج السلطة ومراكز القرار، فبدلًا من أن تعزز المغادرة فرصه في أداء أدوار لاحقة، قد تتحول إلى عبء عليه، أو إلى ضياع للجهد، إذا كان المقصود منها تهيئته لدور سياسي في مرحلة ما بعد 2029.
احتمال آخر يفسر هذا الخروج باعتباره مغادرة طوعية، ويربط بينه وبين إعادة تكليف ولد اجاي، بوصفها صيغة اعتراض عليه أو تعبيرًا عن تباين في الرؤى والمواقف، ووفق هذا الاحتمال، تكون إعادة تكليف ولد اجاي قد وضعت ولد احويرثي أمام معادلة جديدة، كانت المغادرة نتيجة طبيعية لها.
لكن ينبغي هنا التمييز بين وجود تباينات أو منافسات متداولة في الأوساط السياسية، وبين ثبوت أن تلك التباينات كانت السبب المباشر في قرار المغادرة، فالسياسة تعرف الخلافات والتنافسات، وتعرف كذلك إعادة توزيع الأدوار وتغيير مراكز التأثير، لكنها لا تتيح تحويل كل تغيير في المواقع إلى دليل قاطع على انتصار طرف أو إقصاء آخر.
وقد تتضح دلالة هذه المغادرة مع مرور الوقت، من خلال ما إذا كان حضور ولد احويرثي في المشهد السياسي سيتراجع، أم أنه سيظهر في موقع آخر، أو يعود إلى دائرة المسؤولية بعد مرحلة انتقالية، فالموقع الذي سيشغله بعد خروجه، وطبيعة حضوره في المرحلة المقبلة، قد يقدمان مؤشرات أكثر دقة على ما إذا كانت المغادرة تعبيرًا عن تراجع في النفوذ، أم مجرد انتقال من موقع إلى آخر.
أما الحديث عن إمكان عودته إذا تعثرت الحكومة المقبلة، فيبقى احتمالًا لا يمكن اختباره في الوقت الراهن، ولا ينبغي تحويله إلى توقع محسوم، فالمستقبل وحده سيكشف ما إذا كانت المغادرة تمثل نهاية مرحلة فعلًا، أم أنها مجرد استراحة سياسية أو انتقال مؤقت من موقع إلى آخر.
هل تجاوز ولد احويرثي موقعه؟
إذا كان هناك من يرى أن ولد احويرثي، في الفترة الأخيرة، أخذ يظهر بمظهر الحاكم المستقبلي، إن لم يكن الفعلي، ويتصرف على هذا الأساس، فإن خروجه قد يُقرأ باعتباره رسالة من رئيس الجمهورية، مرحلية كانت أم نهائية، مفادها أن الاستغناء عنه يظل ممكنًا، وأن قربه من الرئيس لا يمنحه موقعًا يتجاوز حدود المعادلة التي يحددها الأخير.
وبهذا المعنى، قد يكون قرار إقالته بمثابة تنبيه إلى أن ما يجري على غيره يمكن أن يجري عليه أيضًا، وأن مركز القرار لا يزال واحدًا، وأن رئيس الجمهورية لم يحسم بعد مسألة خلافته، ولا يريد أن يترك المجال مفتوحًا أمام أي شخص للتصرف كما لو أن الأمر قد قُضي لصالحه، فما قاله الرئيس، قبل أشهر، بشأن الخلافة ينطبق، وفق هذه القراءة، على ولد احويرثي كما ينطبق على غيره؛ فلا أحد يملك أن يتعامل مع المستقبل باعتباره أمرًا محسومًا، ولا أن يستبق قرارًا لم يُعلن عنه ولم يُتخذ بعد.
ومن هذا المنظور، يصبح المأخذ المحتمل على ولد احويرثي أنه تجاوز موقعه، أو بدا في نظر الرئيس وكأنه يتصرف انطلاقًا من مكانة تتخطى حدود دوره الفعلي، وعندئذ، تكون المغادرة رسالة لإعادة ترتيب المشهد، وإبقاء مركز الثقل السياسي والتنفيذي في يد رئيس الجمهورية وحده، بوصفه صاحب القرار المتفرد في التخطيط والفعل وتحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
هنا يبدو السؤال الأكثر موضوعية لا يتعلق فقط بطبيعة العلاقة التي كانت تجمع ولد احويرثي برئيس الجمهورية، ولا بما يُتداول عن طموحاته أو موقعه في حسابات المستقبل، وإنما يتجاوز ذلك إلى سؤال مباشر: ما الذي يفسر خروج وزير الداخلية في هذا التوقيت؟ وهل يرتبط الأمر بتقييم أدائه، أم بإعادة توزيع الأدوار داخل الفريق الحاكم، أم بترتيبات سياسية تتجاوز الوزارة نفسها؟
تبقى الإجابة مفتوحة، إلى أن تظهر معطيات أو قرارات لاحقة تسمح بقراءة أكثر دقة، وتساعد على التمييز بين ما هو واقع يمكن إثباته، وما هو تحليل سياسي يستند إلى قرائن، وما هو مجرد افتراض تفرضه طبيعة المرحلة وحساسية الشخصيات المعنية.
وإذا كانت هذه بعض حيثيات مغادرة الوزراء الذين يُنظر إلى بعضهم باعتبارهم أصحاب طموحات أو أدوار محتملة في ترتيبات خلافة الرئيس، فماذا عن مغادرة وزراء العمل الحكومي؟ وهل تخضع مغادرتهم للمنطق نفسه، أم أن وراءها اعتبارات أخرى تتصل بالأداء والإنجاز وإعادة توزيع المسؤوليات؟
ذلك ما سنتوقف عنده في الحلقة المقبلة.

