بين حرية التعبير وجرائم العصابة / سيدي علي بلعمش

ثلاثاء, 19/01/2016 - 12:56

لقد احتلت موريتانيا العام (2012) المرتبة الأولى بين الدول العربية على مستوى حرية الصحافة أو حرية التعبير على الأصح (لأن الصحافة غير موجودة عندنا) و هي ليست من باب الصدفة أو حقيقة بلا مقدمات : ما يجهله الكثيرون اليوم هو أن موريتانيا استحقت استقلالها بمكانتها الثقافية المرموقة حيث وقف المستعمر عاجزا عن اختراق هذا الشعب، متحيرا من قوة تمسكه بدينه و تقاليد بداوته و تشبثه بثقافته. و حين سئل الرئيس الفرنسي الجنرال شارل دي غول و هو قائد عظيم مسكون بحب التاريخ و الثقافة، هل تستحق موريتانيا أن تكون دولة؟ أجاب: "إنها تستحق أن تكون دولة.. إنه شعب يجعلنا نتعجب وننبهر من مستواه الثقافي". و في كتاب مذكراته "موريتانيا 1903 ـ 1911" قال النقيب لويس فرير جان: "موريتانيا ليست أرضا صالحة للسكن فقط بل إنها أرض جمالها عجيب، وهذا هو السبب العميق للكتابات حولها: فحياة أهلها مليئة بالمغامرات بامتياز، في محيط لا منتهي وفضاء واسع وفي هواء نقي وخلط كبير في مفاهيم الحرية التي لا حدود لها.. وقد وصلت إلى موريتانيا 1903 لمساعدة العقيد غويارد الذي كان جيشه قد تعرض لحملات دموية وانتدبت للتدخل السلمي لإعادة الأمور إلى نصابها، وبعد إقامتي في موريتانيا كلفت بالمشاركة في الغزو وكان لي الشرف أن أشارك العقيد غويارد هذه العملية وقد مكثت في موريتانيا 7 سنوات: تجولت فيها كثيرا وفعلت كثيرا وشاهدت كثيرا.. قبل سنة 1908 لم نكن عملنا كثيرا في هذه البقاع، وفي هذه الفترة الأولية كنا تجاهلنا أشياء كثيرة: المخاطرة، العواقب الوخيمة، التعب، بذل الجهد وكانت المسؤوليات المتحملة مثل الفترات السابقة وبوسائل أقل، وقد واجهنا عراقيل كثيرة مثل قوة الخصم وضعف معرفتنا لهذا البلد.." . هناك موريتانيا أعظم من ما يمكن أن تتصوروه تم قتلها بالتقادم.. تم نهب تاريخها و حضارتها بالتقسيط.. تم الاعتداء على كل أمجادها على أيادي أزلام المستعمر من شيوخ قبائل و أعيان، تمت صناعتهم أمام أعين الجميع (كنوع من الردع) على معايير الارتزاق و الذل و التبعية، بعد قتل و تشريد شيوخ القبائل الأشاوس و أعيانها الأعيان: نعم، إن لهذا النفاق المقرف أصلحه و جذوره الضاربة في التاريخ. لم أجد يوما من بين أقرب مقربي ولد عبد العزيز (من غير ذويه)، من يثني عليه بخير بل من لا يقول فيه ما لم يقله مالك في الخمر، لكنهم يتساءلون جميعا ماذا نفعل؟ إن مصالحنا تتطلب أن نغطس في هذا الماء المالح حتى تمر موجة النحس هذه! الحرية في موريتانيا ليست نتيجة لكفاح المعارضة أو الصحافة و لا مؤشرا من أي درجة لديمقراطية العصابة و لا الأنظمة التي سبقتها ؛ إنها بقية من آثار ثقافة شامخة شيدها عظماء بنبل طموحاتهم و صدق وفائهم؛ فموريتانيا التي تحتل اليوم المرتبة الأولى بين الدول العربية على مستوى حرية التعبير (و هي شماتة بالعرب أكثر منها مفخرة لموريتانيا) هي التي تئن نسبة 42% من سكانها تحت خط الفقر رغم قلة عدد سكانها (حوالي 4 ملايين) و خيرات بلادها الكثيرة (ثروة سمكية هائلة تغطي حوالي 20% من دخل الخزينة العامة و 20% من الناتج القومي المحلي و 5.5 من الدخل الفردي و تؤمن 41% من مداخيل العملة الصعبة (إحصاءات 2000).. و ثروة معدنية ضخمة (حديد، نحاس، ماس، ذهب (و بتوسعة منجم الذهب الجديدة ستملك موريتانيا ثاني أكبر منجم ذهب في العالم)) ، 130 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة على ضفة النهر (تم حتى الآن استغلال حوالي 13 ألف هكتار منها فقط)، ثروة حيوانية كبيرة تمثل 14% من الناتج القومي المحلي (آخر إحصاءات) ، ثروة بترولية و غازية متعثرة، فيما تصنف موريتانيا حسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية في المرتبة 157 من أصل 182 دولة في العالم، من حيث مؤشرات التنمية البشرية، أي بمعدل 0.453 وهو معدل أدنى من معدل إفريقيا جنوب الصحراء (0.463)، ويبتعد كثيرا عن معدل الدول العربية(0.681) ..هذه اللوحة الدقيقة بلغة الأرقام تجعلنا نتساءل أين مكمن الخلل في هذه التناقضات الصارخة؟: و ما فائدة حرية التعبير إذا كانت لا تساهم في الحد من الفوضى و الغبن و الفساد و الرشوة و المحسوبية ؟ مثل هذا الخراب لا يحدث في بلد فيه أي ثقل للصحافة إلا إذا كانت صحافة خراب مثله، تماما كما هو حاصل بالضبط في موريتانيا اليوم. من ينظر إلى صحافتنا اليوم يفهم بسهولة أنها صحافة فوضى لا صحافة حرية.. صحافة تخلف لا صحافة وعي.. صحافة حالة مرضية لا حالة صحية.. صحافة تدمير ممنهج لا صحافة ترميم طموح .. صحافة شذوذ عن التجربة البشرية لا صحافة إصرار على اللحاق بالركب .. صحافة تجارب فاشلة و توجهات مدمرة لا صحافة صناعة تاريخ و بناء أمجاد.. بل هي ليست صحافة على الإطلاق و لا حتى أشباه صحافة من أي نوع، لا في شكلها المتخلف و لا في مضمونها المقرف.. لا بمهنييها الملتزمين بالحدود الدنيا للمهنية و لا بهواتها المغمورين.. الصحافة في موريتانيا حالة وقاحة مخجلة فرضت نفسها بتشجيع من أنظمة مستهترة تسعى لفرض ديمقراطية شكلية تحتاج مظاهر مزورة، اكتسحت مخابراتها الصحافة و الأحزاب و المنظمات غير الحكومية فحولتها إلى غوغاء مزعجة بلا ضوابط و لا معايير و لا أهداف و لا رؤى!! و الحالات الاستثنائية القليلة في البلد يتم حرمانها و التضييق عليها و تشريدها و تهديد كل من يتعامل معها و محاربة بقائها بكل الطرق حتى تلفظ أنفسها.. ماذا يستطيع ولد عبد العزيز أن يفعل لعرقلة حرية الصحافة أكثر من مصادقة غرفة تسجيل جرائمه (البرلمان) على قانون الميمات في 22 دجنبر 2015 الذي يبيح للقضاء (أو يأمره على الأصح) بإغلاق المؤسسات الإعلامية و حجب المواقع الالكترونية و حرمان الصحفيين من العمل لمجرد خطأ واحد؟ ماذا يستطيع ولد عبد العزيز أن يفعل لعرقلة حرية الصحافة أكثر من إصدار مادة (32) تأمر القضاء (حتى لا أقول تسمح له)، بإصدار حكم بالمؤبد و مصادرة ممتلكات أي صحفي يقوم بجمع معلومات يمكن استغلالها في الإضرار بالدفاع الوطني؟ إن خطورة هذه المادة تكمن في ميوعتها: فإذا قلت اليوم إن ولد احريطاني يؤسس مليشيات بدعوى أمن مطارات لم يعد يزورها غير رحلات الخط السريع "اـ10" (L’autoroute A10) الرابط بين فينزويلا و موريتانيا، (أحد أهم خطوط تهريب المخدرات في العالم)، فأنت "تجمع معلومات يمكن استغلالها في الإضرار بالجيش الوطني" .. إذا قلت إن بوب دينار الفرنسي الجديد "بير دي جونغ" يدرب مليشيات من الأجانب في ضواحي آكجوجت لا أحد يعرف من أين تأتي و لا لأي مهمة يتم إعدادها فأنت "تجمع معلومات يمكن استغلالها في الإضرار بالدفاع" و تستحق "المؤبد و مصادرة الممتلكات".. إذا تحدثت عن المعارك البطولية التي يخوضها الجنرال الغزواني كل ليلة في شوارع نواكشوط فأنت تجمع معلومات بالغة الخطورة عن الأمن و الدفاع و تستحق المؤبد و مصادرة الممتلكات... ـ ماذا يمكن أن يسيئ إلى الجيش و الأمن أيها البهلول الأرعن، أكثر من مسرحية "أطويلة" التي حاولت من خلالها الإساءة إلى سمعة المؤسسة للتغطية على مغامراتك الغرامية الوسخة؟؟ ـ ماذا يمكن أن يسيء إلى الجيش و الأمن أكثر من تحويله إلى مؤسسة سياسية شعبية إذا رقي فيها جنرال من البيظان لا بد أن يرقى إلى نفس الرتبة كوري و حرطاني؟ ـ ماذا يمكن أن يسيء إلى المؤسسة العسكرية أكثر من نزع سلاحها لصالح تحكم عصابة "بازيب" المشكلة من المرتزقة التي قامت بثلاث انقلابات متتالية لم يشارك الجيش في أي منها؟ ـ ماذا يمكن أن يسيء إلى المؤسسة العسكرية أكثر من أن يصبح أي مقرب لولد عبد العزيز يصدر الأوامر للرتب الأكبر منه و يتصرف في مجال قيادتهم من دون المرور بهم؟ ـ ماذا يبقى من سمعة الجيش و الأمن حين يتنازل الضابط عن كبريائه إلى حد الأكل من فضلات السجناء الميسورين، مقابل إدخال الأطباق الفاخرة القادمة من بيوت ذويهم؟ ـ ماذا يبقى من سمعة الجيش و الأمن حين يتنازل الضابط عن مسؤولياته إلى حد إدخال الهواتف الذكية على السجناء مقابل عشرة آلاف أوقية و العادية مقابل خمسة آلاف أوقية؟ ـ ماذا يبقى من سمعة الجيش و الأمن حين يتنازل الضابط عن هيبته و أبهة رتبته العسكرية إلى حد إدخال المخدرات على السجناء و تنظيم سوقها داخل ما تعتبره الدولة في إحدى أفظع كذباتها "مركز تأهيل و إصلاح " و تقاسم ريعها مع تجار الموت المودعين في عهدته؟ ـ ماذا يبقى من سمعة الدولة يا نصاب ، حين يصبح هذا سلوك ضباطها و مسؤوليها؟ ـ من نأتمن يا أبناء شعبنا حين يصبح ضباطنا ينظمون سوق اللواط و بيع المخدرات و سمسرة بطاقات الشحن و بطاريات الهواتف، داخل أكبر السجون في البلد ؟ و صحيح أن السجون الموريتانية، لم تكن في يوم من الأيام إلا دليلا ماديا على بشاعة الأنظمة و احتقارها للإنسان و تجاوزها للقوانين و الأخلاق .. لم تكن يوما من الأيام إلا صورة حية لأنظمتها .. لم تكن في يوم من الأيام إلا سجونا موريتانية . ولا شك أن أسوأ سجون موريتانيا عبر الزمن، سجن دار النعيم و أسوأ أزمنتها زمن ولد عبد العزيز.. من العار على الحرس الوطني بتاريخه العريق و تميز ضباطه الأكفاء، أن تنتسب إليه هذه الفرقة المرتشية حتى النخاع، المتنازلة عن أقل حد من الاحترام، المتورطة في كل الجرائم، المعبرة بشذوذها و سفالة ممارساتها و تنازلها عن سمعتها و تدني كبرياء قادتها و أفرادها، عن وصول الأمور إلى حد لا يطاق. والجميع يعرف أن لا شيء يحدث في موريتانيا بهذا الشيوع من دون علم الرؤوس الكبيرة : ولد عبد العزيز و قيادة الحرس و القيادة العامة للجيوش و جهاز أمن الدولة .. أتساءل فقط عن أي سمعة يتحدث قانون ميمات ولد عبد العزيز حين يصدر أوامره للقضاة بإصدار حكم المؤبد و مصادرة الممتلكات ضد أي صحفي يجمع معلومات يمكن أن تسيء إلى سمعة الجيش و الأمن !؟ إن ما يريد ولد عبد العزيز أن يلزم به الصحافة هو عدم الحديث عن انحطاط ممارسات الجيش و الأمن في عهده، لا الحفاظ على سمعتهما التي أوصلها بإرادة منظمة إلى الحضيض. بعد أن قام ولد عبد العزيز بثلاث انقلابات متتالية بعصابة متمردة، هي كانت الأسوأ في تاريخ البلد و أقلها مبررات، لم يشارك الجيش في أي منها، يصدر قانونا بتجريم الانقلابات العسكرية؟ كم أنت سخيف و موهوب في التفنن و الانسجام مع عبقرية سذاجتك! و بعد أن مزق وحدة الجيش و قلب هرم الأوامر و الرتب فيه.. بعد أن حول نصفه إلى "إسلاميين" مؤدلجين و نصف نصفه الآخر إلى "إراويين" متمردين (كما أثبتت الانتخابات الأخيرة)، يصدر قانونا يأمر ب"الحكم بالمؤبد و مصادرة الممتلكات" ضد أي صحفي يقوم بجمع معلومات يمكن استغلالها في الإضرار بالدفاع الوطني؟ عبقري أنت جدا حين تدمر جيش بلد و تصدر الأوامر بتحريم تقفي آثار أفعالك الدنيئة! سنظل ندافع عن وحدة جيشنا بما نراه مناسبا غير آبهين بقوانينك العبثية.. سنظل ندافع عن كرامة إنسان أرضنا أينما كان .. سنظل ندافع عن وحدة بلدنا .. عن وحدة مصيرنا .. عن وحدة ديننا .. فمن أنت حتى تسن القوانين و تصدر الأوامر؟ من أنت حتى تتحدث عن سمعة الجيش و الأمن؟ إن حرية يعطيها ولد عبد العزيز و يزكيها ولد هيبه و يحج على نفقتها زيدان و يرقص على حثتها بنه ، لا يتحدث عنها إلا عقل مريض.. لا يتباهى بها إلا منافق حقير.. من لا تخجله الصحافة الموريتانية بأدائها الركيك و سلوكها المخزي و تقاريرها التي تجمع كل الأساليب التعبيرية الممنوعة و لغتها المكسرة و نحوها الملحون و إملائها الأعرج و طوابير منتسبيها المخجلة أمام بيوت بارونات المخدرات و التهريب و غسيل الأموال و تجار المواد الفاسدة و انحناءاتها البوذية أمام نخبة الفساد و نهب المال العام.. و أحاديثها عن إنجازات عصابة (لا تمثل نسبة 2% من ميزانية الدولة) كأن ولد عبد العزيز يتكرم بها على الشعب من جيبه، لا يخجله أي شيء. إن من يتكلم عن صحافة أو حرية إعلام في موريتانيا كمن يتكلم عن احترام حقوق الإنسان في سجن دار النعيم و من يتكلم لنا اليوم عن ميمات ولد عبد لعزيز كمن يتكلم عن آيات مسيلمة. لقد احتل ولد عبد العزيز و عصابته هذا البلد و عاثوا فيه فسادا و تجبرا ليصبح كل ما يمس مصالحهم أو يكشف جرائمهم ممنوعا و حين نسترد بلدنا ـ و سنسترده قريبا بإذن الله حتى لو تحصنوا خلف أعتى قوة في الكون ـ

سنريهم أنهم لم يعادوا سوى أنفسهم و لم يدمروا سوى أنفسهم و ستكون محاسبة أي فرد و كل فرد من عصابة الأشرار هذه، شرطا لا تنازل عنه قبل أي خطوة لإعادة ترميم البلد الذي حولوه بإرادة هدم واضحة إلى خراب.كل الأشرار ينتهون على طريقتهم و في أغلب الأحيان، في أوج غطرستهم.

تصفح أيضا...